عبد الملك الجويني

314

الشامل في أصول الدين

والمارقين ، ولا استبعاد في إطلاق مثل ذلك . فإن الشيء إذا عظم موقعه ، وجل موضعه ، وكان ذلك لاختصاصه بوقوعه على وجه من اللّه تعالى ، فقد يحذف ذكره اجتزاء بذكر اللّه تعالى ، وتعظيما للمحذوف المقدر المضاف ، وقد يقتضي الحذف من التعظيم والتفخيم ما لا يقتضيه الذكر . وشواهد ذلك في كتاب اللّه كثير . منها قوله : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ المائدة : 33 ] . وقوله : الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ [ الأحزاب : 57 ] . وقد اتفق كل من أثبت الصانع على أنه تعالى يتقدس عن التأذي والتضرر . وأجمعوا على أن المعنى بقوله « إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ » أي يحاربون أولياء اللّه . وهكذا القول في الكلمة الأخرى . ومخرج ذلك في مجاري الكلام واضح ، إذ القائل يقول : إذا جاء السلطان ، اضمحل من سواه . وليس المراد بذلك مجيئه بذاته انتقالا وتحولا ، وإنما المراد إيصال أوامره . والذي يحقق ذلك قوله تعالى : فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [ النحل : 26 ] ، وليس المراد بذلك إتيانه بذاته باتفاق منا ومن الحشوية ؛ بل المراد : فأتى أمر اللّه بنيانهم ، ويشهد لذلك قوله تعالى : أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً [ يونس : 24 ] . فهذا وجه وبمثله نتكلم على قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [ البقرة : 210 ] . وهكذا كانت معظم العقوبات تقدمها ظلل من الغمام . وسلك بعض الأصحاب في قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ [ البقرة : 210 ] مسلكا آخر . فقال : إنما قال الرب ذلك إنكارا على المتوقعين لذلك ، وإنما كان يستدل به أن لو كان لا يتخذ منه بسبل الإنكار وبطريق التوبيخ ، والأصح عندنا الوجه الأول ، فإن ظاهر الآية يدل على إنذارهم بعذاب واقع بهم ، فيجب حمل الآية على الإنذار لمجيء العذاب . وربّ وجه في التأويل عند أهل الفصل هو الأصح مما استروح إليه الجهلة ، ويحسبونه ظاهرا . والذي يحقق ذلك أن التخويف والإنذار إنما يقع بإظلال العذاب ، وإلمامه بمستحقيه ، وهذا واضح في مقصد الآية جدلا ومجاري التوسيعات في الجزل من الكلام أوسع في مجاري الحقائق . ومن أحاط بمذهب العرب ، لم يستبعد من ذلك شيئا . وذكر بعض الأئمة في قوله تعالى : وَجاءَ رَبُّكَ [ الفجر : 22 ] أنه فعل فعلا سمى به نفسه جائيا ، كما سمى نفسه بالخلق والرزق خالقا ورازقا . وهذا ، وإن كان يتجه ، فالطريقة الأولى أقرب مذاهب التأويل . ومما يسأل عنه قوله تعالى مخبرا عن بعض عباده : يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [ الزمر : 56 ] . ولا يتمسك بهذه الآية إلا متولج في غمرات الجهل ، أو لا يخطر لذي تحصيل أن التفريط الذي أثبتت الآية ، يقع في جارحة مقدرة ، وقطر محدود ، وهذا ما لا سبيل إلى توهمه ، ولا ينبئ به الكلام عنه أصلا ، إذ المعنى بالتفريط مخالفة أوامر اللّه ، وموافقة زواجره ، والانكفاف عن امتثال أوامره ، ولا